أحرف القرءان الكريم
حرف قريش
كان أول نزول القرءان الكريم على قلب النبي صلى الله عليه وسلم على حرف واحد بلسان قريش، واستمر تلقي النبي صلى الله عليه وسلم للقرءان عن جبريل عليه السلام على ذلك الحرف حتى هاجر إلى المدينة المنورة، ودخلت القبائل العربية في الإسلام.
الأحرف السبعة
ونظرًا لاختلاف القبائل العربية في اللهجات والأصوات وطرق الأداء، أنزل الله الرحيم بعباده القرءان الكريم على سبعة أحرف بطلب من نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وذلك للتيسير والتخفيف عليهم، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: {أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ علَى حَرْفٍ فَراجَعْتُهُ، فَلَمْ أزَلْ أسْتَزِيدُهُ ويَزِيدُنِي حتَّى انْتَهَى إلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ} [البخاري: 4705].
أصبح النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك يتلقى القرءان الكريم عن جبريل عليه السلام على الأحرف السبعة، ويقرئ الصحابة كل بالحرف الذي يرى أنه يناسب لهجته أو لهجة من يليه من العرب، ومن ثم أصبح كل صحابي يقرأ القرءان الكريم بالحرف الذي تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم دون اعتراض من أحدهم على الآخر وذلك بعد أن بين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم نزول القرءان الكريم على سبعة أحرف.
يدل على ذلك ما رواه عمر بن الخطاب: {سَمِعْتُ هِشَامَ بنَ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ، يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ علَى غيرِ ما أَقْرَؤُهَا، وَكانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أَقْرَأَنِيهَا، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عليه، ثُمَّ أَمْهلْتُهُ حتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ برِدَائِهِ، فَجِئْتُ به رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي سَمِعْتُ هذا يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ علَى غيرِ ما أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ، فَقَرَأَ القِرَاءَةَ الَّتي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قالَ لِي: اقْرَأْ، فَقَرَأْتُ، فَقالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إنَّ هذا القُرْآنَ أُنْزِلَ علَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا ما تَيَسَّرَ منه.} [البخاري: 2287].
معنى الأحرف السبعة
تباينت آراء العلماء في المراد من الأحرف السبعة أوصلها السيوطي في الإتقان إلى أربعين قولاً، وذلك لأنه لم يأت في معنى الأحرف السبعة نص ولا أثر. والقول الذي رجحه جمع كبير من العلماء منهم الإمام ابن الجزري هو أن الأحرف السبعة: هي وجوه التغاير السبعة، التي يقع فيها الخلاف وهو اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف تناقض وتضاد، مندرجة ضمن اللغات واللهجات الأصلية الفصحى التي تكلمت بها قبائل العرب السابقة قد بينها العلماء فيما يلي:
- اختلاف الأسماء من إفراد، وتثنية، وجمع، وتذكير، وتأنيث نحو قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ﴾ [المعارج: 32] قرأها ابن كثير بالإفراد (لِأَمَانَتِهِم).
- اختلاف تصريف الأفعال، من ماض ومضارع وأمر نحو قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا﴾ [سبأ: 19] قرأها ابن كثير وأبو عمرو وهشام (ربُّنا بَعِّدْ).
- اختلاف وجوه الإعراب نحو قوله تعالى: ﴿الٓرۚ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ١ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ﴾ [إبراهيم: 1-2] قَرأ عامة أهل العراق والكوفة والبصرة بخفض لفظ الجلالة (اللهِ)، وقَرأ عامة أهل المدينة والشأم بالرفع (اللهُ) على الابتداء.
- الاختلاف بالنقص والزيادة نحو قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ﴾ [التوبة: 100] قرأها ابن كثير (تجري من تحتها) بزيادة (من).
- الاختلاف بالتقديم والتأخير نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ﴾ [التوبة: 111] قرأها حمزة ومن وافقه (فَيُقْتَلُون وَيَقْتُلُون).
- الاختلاف بالقلب والإبدال نحو قوله تعالى: ﴿وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ﴾ [البقرة: 259] قرأها نافع وبن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب (نُنْشِرُهَا) بالراء بدل الزاي.
- اختلاف اللغات (اللهجات) كالفتح والإمالة، والترقيق والتفخيم، والإظهار والإدغام نحو قوله تعالى: ﴿وَهَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ﴾ [طه: 9] قُرئ لفظ (أتى) ولفظ (موسى) بالفتح والإمالة.
الحكمة من الأحرف السبعة
لعل الحكمة من نزول القرءان الكريم على سبعة أحرف هي التيسير على المسلمين، ورفع الحرج عنهم، وبيان إعجاز القرءان للفطرة اللغوية عند العرب، وإظهار فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم، وإعجاز القرءان في معانيه وأحكامه.
قال ابن الجزري: وأما سبب وروده على سبعة أحرف فللتخفيف على هذه الأمة وإرادة اليسر بها والتهوين عليها شرفا لها وتوسعة ورحمة وخصوصية لفضلها وإجابة لقصد نبيها أفضل الخلق وحبيب الحق.
تنبيهات:
- الأحرف السبعة هي تنزيل من رب العزة عز وجل، وليس فيه لرسولنا صلى الله عليه وسلم إلا البلاغ المبين، وقد أدى عليه الصلاة والسلام الأمانة، وبلّغ الرسالة.
- نزل جبريل بالأحرف السبعة على رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم حرفاً حرفاً، وقد قرأ عليه الصلاة والسلام بها جميعاً وأقرأ الناس عليها فقرؤوا بها.
- ليس المراد من الأحرف السبعة أن كل كلمة تقرأ على سبعة أوجه، بل أن وجوه الاختلاف لا تتجاوز سبعة أوجه.
- لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن الأحرف السبعة ليست قراءات القراء السبعة المشهورة.