اختيار القراء

اختيار القراء السبعة

أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه مصحفًا من المصاحف العثمانية إلى كل مصر من أمصار المسلمين مع قارئ متقن يُقرئ الناس بما يوافق رسم المصحف المرسل إليهم، وكان يتخير لكل قارئ المصحف الذي يوافق قراءته، فكان:

  1. زيد بن ثابت (توفي سنة 54 هـ) مع المصحف المدني.
  2. المغيرة بن أبي شهاب المخزومي (توفي سنة نيف وسبعين) مع المصحف الشامي.
  3. أبو عبد الرحمن السلمي (توفي سنة 47 هـ) مع المصحف الكوفي.
  4. عامر بن قيس (توفي سنة 55 هـ) مع المصحف البصري.
  5. عبد الله بن السائب المخزومي (توفي في حدود سنة سبعين) مع المصحف المكي.

أقرأ القراء الناس القرءان بما يوافق رسم المصحف المرسل إليهم، وأقرأ تلاميذهم غيرهم، وانصرف قوم للاعتناء بالقرءان، وقاموا بضبطه، وانشغلوا بحفظه، وتفرغوا لإقرائه وتعليمه حتى أصبحوا في ذلك أئمة يقتدى بهم، ويُرحل إليهم، ويُؤخذ عنهم.

بعد زمن كثر القراء، وتفاوتوا في الضبط والاتقان، فكان منهم المتقن للتلاوة المشهور بالرواية والدراية، ومنهم غير ذلك، وكثر بينهم الخلاف وقل الضبط، وأصبح البعض يقرأ بما يوافق رسم المصحف ما لم يصلنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات ما تحققت فيها شروط القراءة الصحيحة، وما يسهل حفظه، وتنضبط القراءة به.

يقول الدمياطي : ” … ليعلم أن السبب الداعي إلى أخذ القراءة عن القراء المشهورين دون غيرهم أنه لما كثر الاختلاف فيما يحتمله رسم المصاحف العثمانية التي وجه بها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار فصار أهل البدع والأهواء يقرؤون بما لا يحل تلاوته وفاقاً لبدعتهم، أجمع رأي المسلمين أن يتفقوا على قراءات أئمة ثقات تجردوا للاعتناء بشأن القرءان العظيم فاختاروا من كل مصرٍ به مصحف عثماني أئمة مشهورين بالثقة والأمانة في النقل وحسن الدراية وكمال العلم، أفنوا أعمارهم في القراءة والإقراء، واشتهر أمهرهم، وأجمع أهل مصرهم على عدالتهم، ولم تخرج قراءتهم عن خط مصحفهم”

في هذا الإطار ألف شيخ القراء في عصره الإمام أبو بكر أحمد بن موسى بن مجاهد كتابه في القراءات (كتاب السبعة)، اختار فيه من القراءات ما وافق خط المصحف، ومن القراء إمامًا من كل مصر مشهور بالثقة والأمانة في النقل وحسن الدين، وكمال العلم، قد طال عمره واشتهر أمره بالثقة، وأجمع أهل مصره على عدالته فيما نقل، وثقته فيما قرأ وروى، وعِلمه بما يقرأ؛ فكان: أبو عمرو من أهل البصرة، وحمزة وعاصم والكسائي من أهل الكوفة، وابن كثير من أهل مكة، وابن عامر من أهل الشام، ونافع من أهل المدينة، وبهذا كان أبو بكر بن مجاهد أول من اقتصر القراء على هؤلاء السبعة وتلقت الأمة هذا الحصر بالقبول.

قال الشيخ الخاقاني في رائيته:

وإِنَّ لَنَــا أَخْــــذَ القِــــرَاءَةِ سُنَّـــــةً …  عَنْ الأَوَّلِيــــــــنَ المُقْرِئِيــنَ ذَوِى السِّتْرِ

فَلِلسَّبْعَــةِ القُــرْاءِ حَقٌّ عَلَى الوَرَى …  لإِقْرَائِهِـــمْ قُـــــرْآنَ رَبِّهُــــمُ لِلْوِتْـــــــرِ

فَبِالْحَرَمَيْــنِ ابْـــنُ الكَثِيـــرِ وَنَافِــعُ … وَبِالْبَصْــــرَةِ ابْنُ الْعَلاءِ أُبُــــو عَمْــــرِو

وَبِالشَّـــامِ عَبْدُ اللهِ وَهــــوَ ابْنُ عَامِرٍ  … وَعَاصِــــمٌ الْكُوفِــــيُّ وَهْوَ أَبُــــو بَكْـرِ

وَحَمْــــزَةُ أَيْضَاً وَالْكِسَائـــِيُّ بَعْـــدَه …  أَخُو الْحِـــذْقِ بِالقُــرْانِ وَالنَّحْوِ وَالشِّعْرِ

نظم الإمام أبو محمد القاسم بن فيره بن خلف الشاطبي هذه القراءات السبع في منظومة أسماها (حـرز الأماني ووجـه التهاني) اشتهرت بـ (الشاطبية) نسبة له.

اختيار القراء الثلاثة المكملين للعشرة

علق في أذهان كثير من الناس أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرءان والتي ورد ذكرها في العديد من الأحاديث منها: “القُرآنُ نزَلَ على سَبعةِ أحرُفٍ، على أيِّ حَرفٍ قَرَأْتم، فقد أصَبْتم، فلا تَتَمارَوْا فيه؛ فإنَّ المِراءَ فيه كُفرٌ” [أحمد: 17819] هي القراءات السبعة التي اختارها ابن مجاهد، وهذا الوهم دفع عدد من العلماء للتأليف في القراءات ومن بين هؤلاء شيخ المحققين والقراء الإمام محمد بن الجزري الذي تتبع أسانيد القراءات حتى زمانه فوجد ثلاث قراءات تشارك السبع في الشهرة والثبوت وتحقق أركان القراءة الصحيحة فأضافها للقراءات السبع وتلقت الأمة هذه الإضافة بالقبول.

ولقد نظم الإمام بن الجزري هذه القراءات الثلاث في قصيدة سماها (الدرة) وأخبر بأنها متممة لمنظومة الإمام الشاطبي (حـرز الأماني ووجـه التهاني)، بحيث تصبح الشاطبية مع الدرة جامعتين للقراءات العشر، كما جمع الإمام ابن الجزري القراءات العشر في كتاب أسماه (النشر في القراءات العشر) وفي منظومته (طيبة النشر في القراءات العشر).

صلة القراءات بالأحرف السبعة

أجمعت الأمة على أن الأحرف السبعة ليس المراد بها القراءات السبع وذلك لأن القراءات السبع وتحديدها جاء متأخراً عن نزول القرءان الكريم بالأحرف السبع. إلا ان العلماء اختلفوا في صلة القراءات بالأحرف السبعة، والراجح هو قول مكي بن أي طالب وابن الجزري بأن القراءات التي يقرأ بها الناس والتي صحت روايتها عن الأئمة (القراءات العشر) إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرءان الكريم ووافق اللفظ بها خط المصاحف العثمانية التي كتبت على حرف واحد (حرف قريش) لوأد الخلاف الذي حدث بين المسلمين في عهد عثمان رضي الله عنه، إلا أنها مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة لخلوها من النقط والشكل.